ثورة الزرانيق
ويكيليكس مستقلون يمن
محمد الاسعدي ابوصخر
قديم.. وصل الموظف يوسف حسن إلى قضاء إب لاستلام وظيفة قائم مقام في 20 كانون الثاني/ يناير عام 1910. وكان شاباً لم يتجاوز الخمسة والعشرين عاماً، ولكن استعداداته كانت كافية لهذا المنصب البعيد عن اسطنبول والذي لم يتعود على الاهتمام الكافي طيلة الوجود العثماني في اليمن.فقد تخرج الشاب من الكلية الشاهانية التي تخرج منها كبار الموظفين في اسطنبول وأجرى التدريب اللازم في ولاية بيروت.. وكانت عاصمة الخلافة في العقد الأول من القرن العشرين تحبل بمشاريع وحركات وأفكار متنوعة مثل اللامركزية والعروبة والعثمانية والتتريك، وكانت الخلافة ذاتها قد أصابها الوهن وجفاف العروق التي لم تعد تصل فاعليتها الى الأطراف.
والتقى الموظف الشاب في اسطنبول بعدد من المفكرين الاسلاميين والعروبيين الذين انضم بعضهم الى جمعيات سرية وتأثر بأفكارهم، وحاول أن يوثق علاقاته هذه هو ورفاقه بهم، لكن عيون الرقابة والاستخبارات كانت لهم بالمرصاد سواءً في السكن أو في التنقل.وقدم الموظف العثماني كذلك الى الولاية البعيدة والمترامية الأطراف مسلحاً بخمس لغات لم تكن اللغة العربية أجودها، ولكنه كان بدأ ينظم الشعر بها كما كان ينظمه باللغة التركية أو يترجم عن الفارسية. فيما يلي الحلقة الاخيرة التي يتحدث فيها المتصرف عن أحوال تهامة :
تحقيق وتقديم السفير/ حسان أبي عكر
أسباب ثورة الزرانيق
ومن بواعث قوة الزرانيق مناعة أراضيهم المحدودة بساحل البحر غرباً وبجبال ريمة الشاهقة البركانية شرقاً، وكثرة الغابات المنبتة في سهول القبيلة وسحولها وأدغالها الموحشة الملتفة بأشجار السلام المعروف عندهم باسم السول «الطلح» الشائكة وما يتخللها من الأخاديد العميقة التي أحدثتها جوارف السيول المنحدرة من أعالي الجبال وقلة الآبار التي لا يهتدى اليها الا الخبيرون بها، فكل هذه الاستحكامات الطبيعية تجعل توغل القوات الحاكمة في أراضي القبيلة متعذراً، وهذا ما يضطرها الى إغماض العين عن هفوات رجالها والجنوح الى استجلابها بواسطة رؤسائهم بالعطايا والمنح وبالمرونة السياسية.
أكثر أراضي هذه القبيلة غير صالحة للزراعة ما عدا بعض بقاع منها في أذيال جبال ريمة التي تسوق الى الجزر منها سيولاً تحيي مزروعات لا بأس بها، وقسم آخر يسقى من وادي «نخلة» ووادي «رمع» الذي باركه النبي «صلى الله عليه وسلم» بقوله (بارك الله في زبيد ثلاث مرات ثم قال وفي رمع) وعدا ذلك فلهذه القبيلة بعض واحات من النخيل على شاطئ البحر في جوار قرى الجاح وغليفقه، والطائف التي هي أهم المراسي في سواحل الزرانيق.
مزاولتهم نقل البضائع
وحيث أن أراضي هذه القبيلة المذكورة قليلة الزرع وليست بغزيرة الضرع، فقد اعتمد أفرادها في أمر معاشهم على مهنة نقل البضائع التجارية وهم ككل قوم يسكن أغلبهم الشواطئ البحرية ضاق عليه البر في أمر معاشه يلجأ الى الارتزاق من ظهور البحار، هكذا الزرانيق يعتمدون في هذا الامر على سطح البحر فيتخذون منه فسحة بعيدة المدى في سبيل أمانيهم الحياتية، وهم من هواة هذا النهج من مناهج الحياة غير هائبين مخاطرها فيسرحون عليها مخردين وجه البحر بمراكبهم ويحرثون أديمه بسفنهم الخفيفة السير والعجفاء الهياكل، التي يخيل للرائي أنها مكوك حائك ينساب في عباب البحر انسياب الأفعى وتمرق من هوائه مروق السهم، فتساعدهم بهذه الأوضاع والخفيفة على الاختفاء عن أعين البواخر الراصدة، وتنجيها من تعقبها فتنفذ مسالك ضحضاحة لا سبيل لتلك البواخر أن تصل اليها، فيخرجون منها المهربات من بضائع ودقيق وأسلحة وهم بسطوة الحكومات هازئين يطوفون بسفنهم «سنابيكهم» هذه شاطئ البحر الأحمر الأفريقي والآسيوي، فيحملون على غاربها الأموال والرقيق والأسلحة ويغزون موانئ من ناوأهم ويستولون على سفنهم، وفيهم في ذلك جرأة نادرة.
ولا يظن القارئ أن هذه الجرأة والمهارة البحرية النادرتين تختصان بقبيلة الزرانيق بل جميع القبائل الساحلية في القطر اليماني والحجازي لا تقل شجاعة رجالها مهاراتهم عن الزرانيق في ارتياد البحار حتى البعيدة منها كالبحر العربي والمحيط الهندي، ،وإن أنس لا أنسى حادثة جرت على مشهد مني أثناء الحرب العظمى تبرهن على ما ذكرته أعلاه.
حصار السفن الانكليزية
شددت المراكب الانكليزية الحربية خناق الحصار البحري على السواحل اليمانية الخاضعة للحكومة العثمانية، فكانت سفن الزرانيق وسواها من سكان الشواطئ تغامر في السفر إلى مرفأ ميدي في شمال اليمن الذي كان طليقاً من قيد الحصار لوجوده في منطقة السيد محمد الإدريسي فتحمل البضائع الى الجنوب تخفيفاً لوطأة الحصار، وكانت السفن الحربية تطارد هذه السنابيك فتغرق منها ما عثرت عليه وترهق بحارتها قتلا وتغريبا حتى أخذ اليأس من نفوس هؤلاء ايما مأخذ، وهو الذي يولد قوة لا يقاومها شيء. فتواعد أرباب السنابيك المتجمعة في مرسى ميدي وجمعوا أسطولاً صغيراً يتألف من عشرين سنبوكا ووطدوا النفوس على التفاني في إنقاذ سفنهم وإيصال شحنها الى بلادهم التي كانت بأشد حاجة لذلك الشحن، فوصلوا ذات مساء الى حذاء مدينة اللحية حيث بوغتوا بسفينة حربية خفيفة كانت راسية هنالك بقصد المراقبة فلم تلبث تلك السفينة لدى رؤيتها ذاك الأسطول الغريب الجريء حتى سارعت للسلام بإطلاق مدافع تقذف حمما ومواد ملتهبة، فقابلها بحارة الأسطول بالبنادق من كل حدب وصوب بعد أن عبأوا سنابيكهم في ملاجئ تلك السواحل بصورة ضللت عنهم هدف القنابل، فحار رجال السفينة الحربية الى أي جهة يعطفون بنارها وشرارها، وكانت مرامي مائتي بندقية تتهاوى في أفق السفينة وتقضي على بعض بحارتها حتى شبهت هذه السنابيك ورجالها نملا تهاجم أفعى فترديها.
استمرت هذه المعركة نصف ساعة والسفينة الحربية تفرق مراميها على هذه الحيتان أو الاخطبوط ذي العشرين يدا دون أن تنال منه مأربا، وكان الظلام قد أخذ ينسج ستاراً حالكاً حجب به ربان السفينة عن مشاهدة أعدائه، ولكن هذا الستار ما كان ليستطيع أن يقاوم سهام الأنظار الحادة التي كان يلقيها رجال السنابيك من وراء هذا الستار فيخرقه رصاصهم المسدد الى أنوار السفينة التي كانت قد أنقذت مرساتها من مخالب الصخور، ورأت أن مغادرة ساحة المعركة الى نجاح البحر الفسيح هو خير وأبقى، ففارقت تلك البقعة فرقاً غير وامق، واستمر قطيع الحيتان وعليها تلك الخيالات البشرية كأنها مردة أوجان تغوص وتطفو على سطح البحر ميممة منحاها وهم يكبرون ويهللون قائلين:
«بسم الله مرساها ومجراها»
ذكرت هذه المشاهدة إثباتاً لما هم عليه الزرانيق، فهذا من الشجاعة على متون السفن ايضاً، وقد خصصهم الله بطرق التجارة البرية بين شمالي اليمن وجنوبها، كذلك اجتازوا طريق التجارة البحرية فلا بد للسفن الشراعية السائرة من الجنوب الى الشمال أو بالعكس من المرور على مقربة من شاطئ الزرانيق الأمر الذي يجعل لهذه القبيلة أهمية زائدة في محيطها.
وقد سطا رجالها مرات عديدة على القوافل التجارية براً والسفن الشراعية بحراً، وإنما لم يكن هذا صادراً عن غريزة في السلب أو قرصنة فطرية، فلم يسبق لهم عمل من هذا القبيل الا كان ناتجاً عن أسباب عدائية أو المقابلة بالمثل أو لخلاف أنبعث بينهم على اقتسام منفعة أو دفع مغرم، وكثيراً ما كان بعضهم يعتدي على القوافل والمواصلات البريدية والبرقية انتقاماً من بعضهم الآخر بسبب جر مغنم أو تأمين مقصد ليجبر الحكومة على التدخل في الأمر سلماً أو حرباً.
تنقسم هذه القبيلة من حيث أراضيها الى قسمين كبيرين يدعى أحدهما الزرانيق الشامي «أي الشمالي لأن أهل اليمن يسمون الجهة الشمالية بالجهة الشامية نسبة للشام والجهة الجنوبية بالجهة اليمانية حتى أن أهل الشمال يدعون ماهو جنوبهم من البلاد باليمن وأهل الجنوب يقولون لماهو على شمالهم بلاد الشام) والقسم الآخر الزرانيق اليماني فمركز المشيخة الرئيسية للقسم الأول قرية «الحطبية» ويتولى هذه المشيخة الكبير من بطن بني معروف، وشيخ مشايخ القسم الجنوبي أي الزرانيق اليماني من بني الفاشق ومركزه قرية الحسينية، ويفصل بين القسمين قصبة بيت الفقيه التي تبعد خمس ساعات جنوباً عن الحديدة وساعة ونصف عن ساحل البحر، وهي ذات مناخ جيد كائنة على ربوة تعلو 66 متراً عن سطح البحر فيرى الهلال منها وهو ابن ليلته، لذلك كان في عهد حكومة الأئمة العظام يقيم بها قاضٍ يرتقب الهلال لإثبات عدة الصوم ويطلقون عليه اسم قاضي الهلال.
إن سكان هذه القصبة ليسوا من الزرانيق بل لفيف من قبائل شتى وهنود يشتغلون بالتجارة والنسيج، يجهزون قسماً كبيراً من ملابس أهل اليمن فتعد هذه البلدة قلب الزرانيق النابض وهي منشطرة الى شطرين شمالي وجنوبي وكل شطر كأنه بطين من هذا القلب يبعث الى الجهة التي تليه النشاط والحركة سواء أكان في خير أو شر.
في عهد الحكومة العثمانية
لم يخضع الزرانيق في وقت من الأوقات للسلطة العثمانية خضوعاً حقيقياً تاماً، وكانت درجة خضوعهم تتبع سياسة الحاكم الإداري الذي يتولى أمورهم، ونفوذه متولد من إقدامه ونزاهته وبره بوعوده، وبصورة خاصة وقوفه على أمزجة الأهلين وتسييره الأمور على المقتضيات المحلية وتمثيل الأوامر العمومية بالعنعنات القومية، وبهذه المناسبة أجيز لنفسي الإشارة الى أن أكبر الغلطات التي ارتكبتها الدولة العثمانية في إدارة القطر اليماني هو تشبثها في تدوير ماكنة الإدارة بذات الأجهزة التي كانت تدير بها دولاب الادارة في اسطانبول بدون النظر الى الفوارق العظيمة بين اليمن وسواها من أقسام المملكة الاخرى فأذكر مثالاً علق في تدني ذهني الى الآن وهو:
«كانت الحكومة المركزية عُقيب إعلان المشروطية أصدرت مرسوماً عاماً بلزوم تعطيل المحاكم يوم الأحد نظراً لوجود أعضاء مسيحيين في المحاكم النظامية، فورد لي أمر بتنفيذ هذا المرسوم دون الالتفات إلى حكمة وضعه وانحصاره في المحاكم النظامية التي تتألف من اعضاء مسلمين ومسيحيين، في حين أن المحاكم في اليمن هي شرعية بحتة، فأهملت هذا الأمر لمعرفة التقاليد والشعور المحلي فأبرقت لمركز الولاية لافتاً نظرها الى عدم اذاعة هذا المرسوم بين الأهلين إذ ربما نتج من إذاعته ثورة في البلاد.
وبسبب أمثال هذه الأغلاط كانت قبيلة الزرانيق في طليعة القبائل التي اعتادت أن تثور وتستخف بسطوة الحكومة، وقد بلغ من جرأة رجالها أن احمد فتيني «الفتيني معناها الصغير في اصطلاح أهالي تهامة» شيخ الطائف قتل البيكباشي صالح ذكي بك في دار الحكومة في بيت الفقيه لتشبث هذا الجندي الذي كان ممتازاً بشجاعته وغرا في معرفة ما تنطوي عليه غرائز العرب من شمم وأنفة بإهانة الشيخ المذكور والقبض عليه بغير مسوغ، فلم يطق الشيخ المذكور هذه الإهانة وأفرغ بندقيته في قلب ذاك الجندي الذي ذهب ضحية الغرور والجهل.
لا يتردد الزرانيق في الإسراع إلى إشعال نار الفتنة لعصبيتهم الفطرية ولمساعدة مواطنهم الطبيعية على التحصن من نفوذ القوة الغالبة إلى ديارهم، وخصوصاً طرز معيشتهم وكون أكثر بيوتهم عبارة عن أعشاش خصاص تبنى بشكل مخروطي منتظم الهندسة، مؤلف من الخصف وشجر المرخ والضبر يثبتونها بحبال مفتولة من ورق شجر الدوم وهو نوع من النخل يمتاز عنه بكون أوراقه تتشابه الرواح، ولا تحتوي هذه الأكواخ من الأدوات البيتية إلا بضعة مقاعد خشبية للنوم والجلوس، يحيكون حبالها من ورق الدوم وبعض الزنابيل يستعملونها مقام الصناديق، وقليل من أواني الفخار والخزف وأهمها جمنة (سخانة لغلي قشر القهوة الذي يشربون منقوعة بإفراط كما يشرب الفرنسيون النبيذ والألمان البيرا) وعدة فناجين وقصاع من الفخار وبعض وسائد محشوة بالقطن وقشر الذرة، فهذه هي بيوتهم ومحتوياتها التي لا توقع في آذانهم أدنى تردد في الإقدام على مخاطر الأمور تاركين هذه المنازل تنعي من بناها، وأحياناً يضرمون بها النار ليجددوها حين عودتهم اليها بكلفة وجهود قليلة.
ما خضع الزرانيق للسلطة العثمانية كما ينبغي الا في اثناء الحملة العسكرية التي زحفت لتأديبهم سنة 1905م بقيادة الميرالالي رضا بك الذي يلقبه الاتراك «جبور رضا» أي رضا الدميم الوجه، وبالطبع أن أكثر السوريين يعلم إذا كان ذميم الخلق ايضاً كما هو دميم الخلق لأنه ترأس ديوان الحرب العرفي الذي كان يهيئ سوق أحرار هذا الوطن التاعس إلى أعواد المشانق أثناء طامة العالم الكبرى. فقد تمكن هذا القائد المعروف بحنكته ومهارته العسكريتين بعد حروب قليلة المثال في معارك الثورات الداخلية من تدويخ القبيلة ودخوله إلى الحسينية ودك حصنها المنيع وأخذ رهائن كثيرة من مشايخ الزرانيق المعروفين.
ولكن بعد قليل من الزمن عاد الزرانيق لسابق عهدهم وتناسوا ما حدث بينهم وبين السلطة العسكرية التركية وخصوصاً عند انصراف تلك السلطة الى اخماد ثورة الادريسي التي شب لظاها سنة 1910م في بلاد عسير وأصقاع اليمن الشمالية، فلم يضيع رؤساء الزرانيق هذه الفرصة السانحة دون أن يجروا من ورائها منافع مادية، فتزلفوا بالولاء للسيد الإدريسي الذي أغدق عليهم عطاياه من مال وأسلحة، وفي ذات الوقت كان فريق منهم يصافح الحكومة العثمانية فينال منها رتبا ورواتب شهرية.
الحكومة التركية تسكت مطامعهم بالذهب المزيف
ثم فتح للزرانيق باب ارتزاق واسع بوقوع الحرب الطرابلسية التي أعلنتها الحكومة الإيطالية. على الدولة العثمانية، فاردات إيطالية أن تستغل قوة الزرانيق لتضعضع بها معنويات القوة التركية التي كانت تخفر السواحل وتحول دون إنزال القوات الإيطالية في باب المندب والمخا وبعض شواطئ اليمن الجنوبية، فنثرت هذه الحكومة بدرات النضار على مشايخ الزرانيق ووزعت عليهم كثيراً من البنادق والمؤمن الحربية، ولكن أنى لها أن تروي ظمأهم للمال فعمدت إلى سك ليراث مموهة «زائفة» وبدأت تنقل اليهم من صناديق هذه الليراث بالعشرات فطاروا بها فرحاً في بادئ الأمر، ولم ينكشف أمر هذا التمويه إلا بعد مضي زمن غير قصير فعضوا حينذاك بنان التندم.
بعد خروج الأتراك من اليمن
وعند انسحاب قوة الأتراك من القطر اليماني بموجب شروط الهدنة، شرع سمو الإمام يحيى في استلام مقاليد الحكم الذي هو تراث أجداده العظام منذ ألف سنة ونيف، وكان الاتراك قد انتزعوا جانباً عظيماً من البلاد اليمانية من أيدي الأئمة العظام بالقوة التي وجهها سنان باشا 945ه وبعد حروب استمرت مائة سنة بين الفاتحين والأئمة الكرام اضطر الأتراك لأن يتركوا اليمن، وقد غادر آخر شرذمة منهم سنة 1045ه من المخا التي كانت تسمى حينذاك منح اليمن لثروتها وتجارتها المشهورتين.
ولم تعد السلطة التركية لليمن إلا في 1287ه وذلك لتسيير قوة من جبال عسر قادها مختار باشا الغازي بناء على دعوة الشريف حسين أحد حكام إمارة الأشراف في شمالي اليمن التي مقرها بلدة أبي عريش بتوسط شريف مكة، فتدرجت هذه القوة الفاتحة إلى جنوبي اليمن «بطلب الإمام شرف الدين الذي كان مغاضباً بعض الأئمة من بني عمه».
وكانت هناك سلسلة حروب بينهم وبين الفاتحين لم تنقطع حلقاتها، لا يحجم المدافعون عن خوض غمراتها حينا من الدهر، إلا كما يحجم الأسد في نضاله للوراء بصولة أشد من الأولى.
قلت أنفاً إن جلالة الإمام يحيى خف لاستعادة ملك أجداده العظام وهو ملك واسع الجنان، يمتد من جبال عسير شمالاً الى مرسى عدن جنوباً ومن حدود نجد شرقاً الى البحر الاحمر غرباً، ولم يكن له منازع في تحقيق هذه الأمنية سوى السيد الإدريسي في الشمال والانكليز في الجنوب، وكانت قد رسخت سيطرة الإدريسي في الشمال والانكليز في الجنوب، وكانت قد رسخت سيطرة الإدريسي في الشمال لانتهازه الفرص الثمينة التي سنحت له، وهي انصراف الحكومة العثمانية لتسكين ثوراتها الداخلية بعد نشرها الدستور واعلان ايطاليا الحرب عليها 11 أيلول سنة 1911م وتورطها في حرب البلقان وحرب العامة، فتوسعت حدود إمارته الى مقربة من القطر الحجازي شمالاً والى ثغر الحديدة جنوباً، وأسند حدودهما الشرقية الى منحدرات الجبال، فبدأ سمو الامام يحيى لتصفية حسابه أولاً مع السيد الإدريسي المشار اليه، وبعد نضال سنتين تم لسموه استعادة القسم الشمالي من تراث أسلافه وانحصرت امارة الأدارسة في دائرة ضيقة جنوبي جبال عسير، حوالي مدن صبيا وجيزان وأبي عريش ولم يقف جلالة الامام عند هذا الحد إلا حفظاً لمعاملة حسن الجوار مع صديقه جلالة ملك نجد والحجاز الذي وضع منطقة الأدارسة تحت جناح حمايته.
الزرانيق بين الدولتين
أما الزرانيق فقد جعلوا من أراضيهم منطقة حياد بين حكومتي الامام يحيى والسيد الإدريسي، فوصلت جنود سمو الامام الى زبيد وضواحيها من جهة الجنوب ووقف حشد السيد الإدريسي في ضواحي الحديدة من الشمال، وأبت هذه القبيلة ومركزها قصبة بيت الفقيه دخول احدى السلطتين الى ديارها.
وقد حاول السيد الإدريسي مراراً أن يدخلهم في طاعته بالقوة طورا وباللين والعطاء طورا آخر فلم يفلح، وكانوا شاهرين عليه سيف العداء لا يحجمون عن غزو ثغر الحديدة والسفن الموالية له بطريق البحر، ومع ذلك لم يذعنوا لصائح سمو الامام يحيى الذي كان متشاغلاً عنهم في تنظيم شؤون حكومته على أسس راقية حسب تطلبات الزمن، صارفاً قصارى جهده في القضاء على قوة الأدارسة وانصرافه بعد ذلك نحو الجنوب للمطالبة بحقوقه الملكية على النواحي التسع التي تدعي الحكومة البريطانية حق الحماية عليها.
وفي ذات الوقت كان يرسل النذر الى قبيلة الزرانيق لتدخل في الطاعة فيجيب رؤساؤها أنهم لا يخرجون عن طاعته ولا يأبون أداء الأعشار والزكاة الشرعية، والانصياع لأوامره الشريفة بشرط ألا تدخل جيوشه الى ديارهم اتقاء لعدة الجيوش التي لم يألفوها، وفي خلال ذلك كان الشيخ الفتيني شيخ الطائف ورهط معه من مشايخ القبيلة يذهبون إلى عدن ويعودون بالمنح والمؤن، هذا ما دعا سمو الامام يحيى الى أن يستأصل داء الزرانيق من شأفته وذلك بإنهاء الخلاف على النواحي التسع للحكومة الانكليزية.
أسلحة الزرانيق
إن الزرانيق كسائر قبائل اليمن مولعون بالأسلحة الجارحة «البيضاء» والقادحة «النارية» فقليل منهم يكتفي بحمل السيوف والحراب، ولا يخلو أحدهم من وضع مدية عريضة النصل قاطعة الشباة في منطقته، وبندقية في يده ويوجهون أشد اهتمامهم لبنادقهم ومداهم، فيصقلونها ويوالون تنظيفها ويزينونها بالحلي الذهبية والفضية، وإن كثيراً منهم ليبخل على زوجته وعلى نفسه بالحلي ويؤثر بها سلاحه وخصوصاً بندقيته التي لا تفارقه حتى في ضجعة النوم.
من أين تأتي البنادق للزرانيق؟
كثر استعمال الأسلحة النارية بين الزرانيق وسواهم من القبائل اليمانية وذلك لرخص هذه البنادق في الأسعار، ولسهولة استيرادها من جيبوتي ومصوع ومن عدن، حيث تأسست في هذه المدن شركات لبيع السلاح الى القبائل العربية بأرخص الأثمان، وهذه الأسلحة هي من أنواع الساقط استعماله في الجيوش الأوروبية، وكانت الحكومات ذات المآرب السياسية في القطر اليماني تغمض عيناً عن أعمال هذه الشركات، بل تحبذ مجهودها، لأن في ذلك تقوية للروح اليمانية الثائرة في غالب الأحيان على السلطة التركية، ولكن كانت حيرة هذه الحكومات شديدة عندما شاهدت أن أكثر هذه البنادق وجهت أفواهها ضدها في الحرب العامة وبعدها.
وعدا ذلك قد تركت السلطة العثمانية مقداراً عظيماً من البنادق والمؤن الحربية حتى المدافع في أثناء الثورات الداخلية في اليمن وبعدالهدنة.
أما الآن فالحكومات ذات المصالح في البحر الأحمر والشواطئ اليمانية تشدد النكير والمراقبة في أمر تهريب الأسلحة إلى القطر اليماني، لأن ما جاز لعذر زال بزواله.
احترام الزرانيق للأسلحة
يحترم الزرانيق كسائر رجال القبائل العربية حملة الأسلحة ويعدون السلاح علامة للقول الشريف ولكرامة النفس، إذ به يدافعون عن حفيظتهم واستقلال بلادهم، وإذا شاء أحدهم أن يبرز تأميناً لوعده أو تأكيداً لصدقه فإنه يضع مديته أو بندقيته رهناً عند خصمه أو من يريد أن يجعله واثقاً منه بما وعد، وهذه المزية هي تراث أجيال عديدة في تاريخ الأمة العربية، وحادثة حاجب بن زراره التميمي مع كسرى عندما رهن الأول قوسه لدى الثاني لأشهر من أن نأتي على تفصيلها في هذه المقالة، وما أحسن قول أحد الشعراء يمدح رهطاً من العرب الكرام..
اذا افتخرت يوماً تميم بقوسها
وزادت على ما وطدت من مناقب
أليست بذي قار أمالت سيوفكم
عروش الذين استرهنوا قوس حاجب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق