الثلاثاء، 4 أبريل 2017

قصص يهوديات، أسلَمْنَ، تزوّجنَ ويعشنَ مع أزواجهنّ في الضفة الغربية

 

محمد الاسعدي ابوصخر

ماذا يحدث للنساء اليهوديات اللواتي يقعن في حبّ فلسطينيين ويعتنقنَ الإسلام من أجلهم؟ إنّهن ينكشفنَ لعدسات كاميرات وسائل الإعلام الإسرائيلية ويتحدّثن عن قصصهنّ


صورة توضيحية لامراءة فلسطينية  (Flash90/Abed Rahim Khatib)
صورة توضيحية لامراءة فلسطينية (Flash90/Abed Rahim Khatib)
تخيّلوا الحالة التالية: شابّة، يهودية، تبلغ من العمر نحو 20 عاما أنهت للتوّ خدمتها في الجيش الإسرائيلي وذهبت للبحث عن عمل في سوق العمل. تصل إلى منتجع مدينة إيلات الجنوبية، على الحدود المصرية وتلتقي هناك بأحد الأصدقاء الفلسطينيين الذين يعملون مع صديقتها في أحد فنادق المدينة. يحدث التعارف بينهما سريعا ويتحدّث الاثنان طويلا. تكتشف عالمه ويكتشف عالمها. ستكون المرة القادمة التي سيلتقيان بها في تل أبيب عند مدخل ملهى ليلي.
الارتباط هو شبه مطلق. يكشف لها عن حياته كفلسطيني من مدينة أريحا، وعن هويته الدينية، عن الإسلام وأسرته التي تعيش في أراضي السلطة الفلسطينية. بعد عدّة شهور، تعتنق الإسلام ويتزوّجان وتنتقل للسكن مع أسرته في أريحا، بعيدا عن أسرتها، والديها وعن المستقبل الذي فكرت يوما ما في إدارته. وإنْ كان ذلك لا يكفي فإنّها ترتدي الحجاب وتتوب الى الله. ومن وقت لآخر، فهي تتلقّى التهديدات من المجتمع اليهودي، الذي نشأت فيه، مطالبين إياها بالرجوع عن قرار إسلامها، والطلاق والعودة إلى حضن أسرتها ودينها وإلا فسيحدث شيء سيّء لها، لزوجها ولأطفالها.
يغطي هذه القصة وقصصا أخرى الصحفي أوهاد حمو، من أخبار القناة الثانية، في مقطع الفيديو التالي، الذي يعرض فيه واقعا شبه مستحيل لأزواج إسرائيليين - فلسطينيين ينجحون في الحبّ، الزواج وإنجاب الأطفال في واقع سياسي واجتماعي تتفجّر فيه "حرب مقدّسة" بين الشعبين.
ووفقا لتقديرات مسؤولين إسرائيليين فهي ظاهرة لا تكاد تُذكر فعلا، ولكنها قوية بما يكفي وتزداد قوة في السنوات الأخيرة: إسرائيليات، يهوديات، شابّات يقعن في حبّ رجال فلسطينيين ويقرّرن إقامة أسرة معهم والعيش على خطّ التماس النازف بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، على خطّ التماس المشبع بالكراهية بين كلا المجتمعين اللذين لا يقبلانهنّ. كسر شامل للمتفق عليه، لا يترك أي خيار لإقامة حياة أسرية طبيعية في واقع مؤلم جدّا.
تلك الأسر التي وافقت على الكشف عن نفسها، تعيش في خوف دائم من أن يتمّ إيذاؤها من قبل التنظيمات الراغبة في منع الاندماج بين الشعبين. يعمل فعلا تنظيم اليمين الإسرائيلي المتطرّف المسمّى "لاهافا" منذ عدة سنوات على منع هذه الظاهرة بل وتدخّل في عدّة حالات بشكل صارخ من أجل منع الزيجات المختلطة بين الفلسطينيين والإسرائيليات، مثل حالة مورال ومحمود من يافا، اللذين ينتظران في هذه الأيام طفلا.
في المجتمع الفلسطيني أيضًا لا يُنظر إلى المسألة نظرة جيدة، رغم أنّه بالنسبة للمجتمع الفلسطيني، فإنّ المرأة هي التي تقوم بكل التغييرات من أجل ملاءمة نفسها للمجتمع الفلسطيني: فهي تعتنق الإسلام، وتتعلم القرآن والأمور الدينية، تتوب، ترتدي الحجاب وتربّي الأطفال غالبا بحسب قيم الثقافة والمجتمع الإسلامي - الفلسطيني. بل ويمكننا أن نرى في التقرير بعضهنّ وهنّ يصلّين ويتعلّمن الحديث بالعربية ودراسة آيات القرآن.
يتمّ اختبار هذا الواقع المعقّد من جديد في كلّ مرة يسود فيها توتّر عسكري - أمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هذا ما حدث أيضًا في الصيف الأخير وقت الحرب بين إسرائيل وحماس في غزة. بل وقالت إحدى من أجريَ معهنّ مقابلات إنّ أخاها شارك في تلك الحرب بل واتصل بها وطلب ألا تغضب هي وزوجها منه لمشاركته في الحرب وإنّه مجبر على القيام بذلك.
"منذ اليوم الذي تعلّمت فيه أن أصلّي، في كلّ مرة أصلّي أشعر بالارتياح ببساطة، كما لو أنّ حجرا قد سقط من قلبي، أبدأ ببساطة بالتنفّس. كل ما يؤلمني يختفي. بيني وبين الله، فأنا قبل كل شيء مسلمة" كما تقول ياعيل، المرأة الإسرائيلية التي اعتنقت الإسلام وتزوّجت من زوجها الفلسطيني. عندما تصف ياعيل المجموعة المتنوعة من هويّاتها، يبدو ذلك مستحيلا، فصاميّا تقريبا. منذ 12 عاما وهي تقفز بين الإسلام واليهودية، الإسرائيلية والفلسطينية، بين جانبي الخطّ الأخضر، بين المدينة الإسرائيلية بيتح تكفا والمدينة الفلسطينية أريحا. بل وتشير ياعيل في التقرير إلى أنّها بعد إنجابها لابنهما الأول لم تشعر بارتياح، شعرت بأنّها ستموت ولم يكن على لسانها عبارات من التوراة وإنما آيات من القرآن.
قام حمو أيضًا بتغطية الصعوبة الكبيرة التي تمرّ بها بعض تلك الأسر: فبعضها لا يستطيع السكن تحت سقف واحد لأنّ السلطات الإسرائيلية غالبا لا تعطي تصاريح خاصّة للأزواج الفلسطينيين وتُجبر النساء على العيش على خطّ التماس بين إسرائيل وأراضي السلطة الفلسطينية.
"أنا أتضرّر بسبب الجانبين. في عملية "الجرف الصامد" بكيت من أجل كلا الجانبين. لا يمكنني أن أشرح، أنا حساسة جدا للوضع الذين بين إسرائيل والفلسطينيين. أقول لنفسي أحيانا: "مشان الله"، الكثير من الناس يحاربون على قطعة أرض، لن يأخذوها معهم إلى القبر"، هذا ما تقوله ياعيل تلخيصا للحالة الصعبة التي يجب عليها التكيّف معها بسبب قرارها في اعتناق الإسلام والعيش مع زوجها الفلسطيني في أريحا.
أثار هذا التقرير عاصفة كبيرة في إسرائيل، واشتكى معلّقون إسرائيليون في صفحات الفيس بوك التابعة لشركة الأخبار في القناة الثانية من بثّ التقرير الذي يبدو في نظرهم يشجّع على التعاطف مع من اختاروا "خيانة إسرائيل"، على حدّ زعمهم. "يجب منع هذه الظاهرة فورًا"، كما كُتب في أحد التعليقات الغاضبة. "ليست لديّ مشكلة مع اختيارهنّ الشخصي. يجب على إسرائيل ببساطة أن تحرمهنّ من المواطنة وأن ينتقلن إلى فلسطين"، كما كتب معلّق آخر.

قصة يهود إيران 

محمد الاسعدي ابوصخر

رغم الكراهية المريرة التي تكنّها السلطات الإيرانية تجاه اسرائيل، فإن أكبر جالية يهودية في الشرق الأوسط ما زالت تعيش في قلب الجمهورية الإسلامية

أحمدي نيجاد ومأيد يهودي - صورة توضيحية (ATTA KENARE / AFP)
أحمدي نيجاد ومأيد يهودي - صورة توضيحية (ATTA KENARE / AFP)
تصف السلطة الرسمية الإيرانية إسرائيل بأنها "الشيطان الصغير" وعدوها اللدود، وأصبحت في السنوات الأخيرة، تنافسها على التزود بالسلاح النووي. ولكن لا يذكر الكثير من الأشخاص أنه كانت هناك علاقات جيدة تجمع بين اسرائيل وإيران حتى عام 1979 ولم ينقطع الاتصال بينهما إلا بعد الثورة الإسلامية الإيرانية. كانت تعمل الشركات التجارية الإسرائيلية في إيران قبل الثورة، وكانت تعيش جالية إسرائيلية في طهران. فمثلاً، بنت شركة إسرائيلية فندق "هيلتون" في طهران.
انتهت العلاقات الدبلوماسية الحميمة بين البلدين فجأة بعد سقوط الشاه، واضطر حاملو الجنسية الإسرائيلية إلى مغادرة البلاد بسرعة. ولكن رغم معاناة يهود إيران في بداية الثورة من الاضطهاد الكبير، فقد اختار العديد منهم البقاء فيها. إن الجالية اليهودية الموجدة في إيران اليوم هي الجالية الأكبر في الشرق الأوسط خارج إسرائيل، ويقدّر عددها ما بين 8000 و20 ألف شخص.
إن الجالية اليهودية في إيران هي إحدى أقدم الجاليات اليهودية في العالم. بما أنها موجودة أكثر من 3 الاف عام أصبحت جزءا لا يتجزأ وثابتا من الثقافة والمجتمع الفارسي.
يهود إيران (AFP)
يهود إيران (AFP)
وفي الحقيقة، تضاءلت الجالية اليهودية في إيران منذ الثورة الإسلامية الإيرانية، وقد هاجر نحو 70 ألف يهودي من إيران إلى إسرائيل في أعقابها. إلا أنّ وضع الجالية اليهودية اليوم في إيران يعتبر جيدا مقارنة بالأقليات الأخرى التي تتعرض إلى الاضطهاد بقسوة من قبل السلطات الإيرانية، ومن ضمنها أقليات عرقية كالعرب، الأكراد والأذربيجانيين، وأقليات دينية كالبهائيين، المسلمين الصوفيين، والسنيين.
حتى أن هناك ممثل دائم للجالية اليهودية في مجلس الشورى الإيراني. "تعيش 80 مليون نسمة في إيران، ويقدّر عدد الجالية بنحو 20 ألف شخص على الأكثر، رغم ذلك، لديها "مقعد" في مجلس الشورى باعتبارها أقلية معترف بها،" هذا ما تؤكده الناشطة الاجتماعية الإسرائيلية التي وُلدت وترعرعت في إيران، أورلي نوي وأضافت أنه "اليوم تتعامل السلطات الإيرانية مع الجالية اليهودية من وجهة نظر معادية لإسرائيل جدا ولكن ليست معادية للسامية".
"نتمتع بحرية دينية تامة" قال ممثل الطائفة اليهودية في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، سيامك مره صدق، في مقابلة معه قبل عدة أيام. "لدينا [يهود إيران] كُنس ومدارس ومقابر ومتاجر جزارة حلال ومطاعم حلال". يُسمح لليهود التعلم والتعليم في الأكاديمية الإيرانية أيضا. سيامك مره صدق هو بروفيسور في الطب، وزوجته دكتورة في علم الوراثة. عندما سُئل كيف يعرّف هويته، أجاب: "أنا يهودي وإيراني. أصلّْي بالعبرية، ولكنني أفكر بالفارسية".

10 حقائق عن السامريّين

محمد الاسعدي ابوصخر

كل التفاصيل عن الطائفة التي تؤمن بالدين اليهودي الحقيقي، وفق ادعائها، وتنجح في الحفاظ على الجنسية الفلسطينية والإسرائيلية في الوقت ذاته


إذا لم تلتقوا مع سامري في حياتكم، فليس بمحض الصدفة. فالسامريون هم أصغر طائفة في العالم، وترتكز اليوم تحديدا في منطقي نابلس وتل أبيب. طيلة أكثر من 3000 عاما منذ تأسيسها، واجهت هذه الطائفة الصغيرة مجازر كثيرة من قبل جيرانها. وقد نشأ صراعها مع اليهود عندما أعلنت أن ديانتها تشكّل ديانة بني إسرائيل الحقيقية، وأن اليهودية تشّكل تفسيرا مُشوّشا للتوراة. وقد نشأت أيضا خلافات بينها وبين المسلمين في الماضي لأنهم رفضوا في البداية الاعتراف بالسامريين كجزء من أهل الكتاب.
إليكم بعض الحقائق المثيرة للاهتمام عن أصغر طائفة والتي تنجح في الاستمرار والحفاظ على دينها منذ أكثر من 125 جيلا:
1. لقد تمت مُلاحقة السامريين في فترات معيّنة بسبب دينهم، واضطر الكثيرين منهم إلى اعتناق الإسلام. فمثلا، تعيش في دمشق عائلات من ذرية الجالية السامرية التي عاشت فيها حتى القرن السابع عشر، وقد اعتنقت جميعها الإسلام.
طفل سامري في جبل جرزيم (Corinna Kern/ Flash90)
طفل سامري في جبل جرزيم (Corinna Kern/ Flash90)
2. لا تُقدّس الطائفة السامرية مدينة القدس أبدا، ولا تطالب بأية حقوق دينية فيها، خلافا لبقية الديانات التوحيدية. في المقابل، فإن جبل جرزيم هو المكان الأقدس لدى السامريين، ولا يولون اهتماما للقدس.
3. عاش السامريون حتى نصف الأول من القرن العشرين في مدينة نابلس، ومن ثم انتقلوا إلى جبل جرزيم القريب وذلك لأسباب أمنية، وعاشوا في قرية لوزا. أما اليوم فيعيش نحو نصف أبناء الجالية السامرية، نحو 400 سامريا، في منطقة تل أبيب ولكن حتى يومنا هذا يستطيعون الدخول بحرية إلى نابلس.
4. عرفت الطائفة السامرية مدا وجزرا حادين في عدد أبنائها طوال سنوات. وفق التقاليد السامرية، فقد كان تعداد أبناء الطائفة السامرية في أيام مجدها في القرن الرابع للميلاد، أكثر من مليون سامري. في المقابل، حتى بداية القرن العشرين، فقد كان عدد أفرادها 120 سامريا فقط.
5. يحمل السامريون الذين يعيشون في قرية لوزا المجاورة لمدينة نابلس، الجنسية الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء. هناك لدى السامريين أيضا تمثيل نيابي في المجلس التشريعي الفلسطيني.
سامري يشرح ليهود متدينين أعراف عيد الفصح الخاصة بالطائفة السامرية (Yossi Zeliger/FLASH90)
سامري يشرح ليهود متدينين أعراف عيد الفصح الخاصة بالطائفة السامرية (Yossi Zeliger/FLASH90)
6. يُعرف عن الطائفة السامرية التي تعدادها نحو 800 شخص، أنها الطائفة الأصغر في العالم.
7. يجذب احتفالهم بعيد الفصح في جبل جرزيم، والذي يجتمع فيه أبناء الطائفة ويضحون 50 خرفانا بموجب التقاليد، جمهورا غفيرا. وقد شاركت في المراسم القديمة طيلة سنوات مئات الشخصيات العامة الفلسطينية، والإسرائيليين أيضا.
8. إذا أنشدتم على مسمع السامريين الأغنية "يا ظريف الطول" قد يندهشون، لأن ليس هناك اليوم سامريون يعيشون خارج حدود البلاد المقدسة، وظاهرة هجرة أبناء الطائفة نادرة.
9. وفق العقيدة السامرية، فإن النبي موسى هو الوحيد أبدا، ولا أنبياء سواه.
10. إن التوراة السامرية (تشبه جدا الأسفار الخمسة الأولى من التوراة اليهودية)، ليست مكتوبة بالعبرية أو العربية بل بلغة خاصة تستند إلى الأحرف العبرية القديمة. وتعود الكتابة القديمة الخاصة بالطائفة السامرية والتي نجحت في الحفاظ عليها حتى اليوم إلى القرن الثاني عشر. وفق التقاليد السامرية، فإن مصدر الكتاب المقدس للسامريين هو في "الدرج المقدس الموجود في نابلس".

 اعرف عدوك اكثر 

محمد الاسعدي ابو صخر
بنيامين نتنياهو - الملف الكامل (Flash90)
عام 2012، عندما ترأس الحكومة الإسرائيلية، وقف بنيامين نتنياهو أمام قبر والده المفتوح، المؤرخ بن تسيون نتنياهو، والذي توفي في سنّ 102، وتحدّث عن اليوم الأصعب في حياة والده، وفي حياته، 4 تموز عام 1976، يوم وفاة شقيقه الأكبر يوناتان.
"انقسمت حياتنا إلى نصفين: قبل وبعد ذلك اليوم الفظيع الذي سقط فيه يوني"، قال نتنياهو. كان حينذاك طالبا لإدارة الأعمال في معهد ماساتشوستس للتقنية في بوسطون، الولايات المتحدة.
"انقسمت حياتنا إلى نصفين: قبل وبعد ذلك اليوم الفظيع الذي سقط فيه يوني. لن أنسى هذه الصرخات حتى أموت"
كان شقيقه الأكبر يوناتان قائدا لوحدة النخبة في الجيش الإسرائيلي، وحدة استطلاع هيئة الأركان العامة. حين تمّ اختطاف طائرة إير فرانس إلى إنتيبي من قبل عناصر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كان يوناتان أول من قفز من على متن طائرة هرقل وهاجم الخاطفين في مطار إنتيبي. قُتل من نيران أطلِقتْ باتجاهه من برج المراقبة.
تابع بنيامين نتنياهو قضية الاختطاف حينذاك قلقًا بواسطة وسائل الإعلام الأمريكية. لقد علم أنّ شقيقه يوني سيشارك بالتأكيد في عملية الإنقاذ، وفهم المخاطر التي تنطوي على ذلك. حين اتصل شقيق نتنياهو ويوناتان الأصغر، عيدو، إليه في ساعات الليل، علم بنيامين نتنياهو بأنّ شقيقه الأكبر قد قُتل.
"علمتُ حتى قبل أن أمسك بالسماعة بأنّ يوني لم يعد بيننا"، هذا ما قاله نتنياهو في جنازة والده. وأضاف: "ظننت حينذاك بأنّه ينبغي الوصول إليك، أبي، وإلى أمي، بأسرع وقت ممكن، إلى مكان إقامتكما في نيويورك، قبل أن يصل الخبر إليكما عن طريق آخر. وحينها سافرنا، سبع ساعات في جهنّم، ووصلنا إلى الجادة التي تؤدي إلى المنزل الذي أقمتما فيه حينذاك".
رأيتك، أبي، تمشي من خلال النافذة الزجاجية الكبيرة. رأيتك تمشي وتفكر، ويداك كعادتك متشابكتان خلف ظهرك. وفجأة حوّلْتَ رأسك ورأيتَني، فامتدت على وجهك نظرة دهشة وقلت لي: "بيبي، ماذا تفعل هنا"؟ وفي لحظة تغيّرتْ نظرتك بفهم رهيب، صرخت صرخةً مريرة وصرختْ أمي بعدك كذلك، ولن أنسى هذه الصرخات حتى أموت".
بنيامين نتنياهو مع أخيه يوني نتنياهو (YEDIOTH AHARONOTH/AFP)
بنيامين نتنياهو مع أخيه يوني نتنياهو (YEDIOTH AHARONOTH/AFP)

ابن المؤرّخ

أحسن رئيس دولة إسرائيل، شمعون بيريس عندما صاغ الأمر كالتالي: "بيبي، والدك كتب التاريخ، وأنت تصنعه". وفعلا، من يريد أن يفهم من هو بنيامين نتنياهو عليه أن يفهم من كان والده.
أحسن رئيس دولة إسرائيل، شمعون بيريس عندما صاغ الأمر كالتالي: "بيبي، والدك كتب التاريخ، وأنت تصنعه"
كانت دراسة وبحث التاريخ مركز حياة البروفيسور بن تسيون، وأسرة نتنياهو بأسرها. كرّست زوجة بن تسيون ووالده بنيامين نتنياهو، تسيلا، كلّ حياتها لدعم عمل زوجها الأكاديمي. ولهذه الغاية انتقلت أسرة نتنياهو بين القدس والولايات المتحدة، ذهابا وإيابا، طوال فترة طفولة بنيامين نتنياهو. قضت الأسرة معظم سنوات الستينيات من القرن العشرين في مدينة فيلادلفيا.
طوال فترة مراهقته - وربما حتى اليوم - رأى بنيامين نتنياهو نفسه مرتبطا بشكل وثيق بأسلوب الحياة الأمريكي. الإنجليزية الجميلة التي يطقنها  حتى يومنا هذا هي نتيجة تلك السنوات الدراسية التي قضاها في المدارس الأمريكية.
طوال فترة مراهقته - وربما حتى اليوم - رأى بنيامين نتنياهو نفسه مرتبطا بشكل وثيق بأسلوب الحياة الأمريكي.
حين تجنّد الابنان يوناتان وبنيامين نتنياهو للجيش الإسرائيلي، بقي الوالدان في الولايات المتحدة، وفي الواقع قرّرا الهجرة بشكل نهائي إلى نيويورك في أعقاب تعيين بن تسيون بروفيسورًا في جامعة كورنيل. وقد اتُّخذ قرار العودة للبلاد بعد ذلك بعدة سنوات فقط، عندما قُتل يوناتان.
كان بن تسيون، كاسمه تماما، وفيّا طوال حياته للصهيونية. كان والده، جدّ نتنياهو، حاخامًا صهيونيا شهيرا بحدّ ذاته. ولدى قراءتنا لمقابلة قدّمها لصحيفة "هآرتس" بعد وقت قصير من انتخاب ابنه لرئاسة الحكومة، يمكننا أن نرى نهجه المتطرّف في الصهيونية، ومعارضته الهائلة للتسوية مع الفلسطينيين:
"علينا أن نفهم بأنّ بيننا وبين العرب تعارض ثقافي عميق"، هذا ما قاله البروفيسور نتنياهو وأضاف: "الصهيونية منذ تأسيسها هي حركة غربية. إنها حركة عاشت على حدود الشرق ولكن وجهها كان دائما للغرب. كانت الصهيونية دائما قاعدة أمامية للغرب في الشرق، وهكذا هي حتى اليوم. لهذا السبب، يعتبرنا العرب كائنا غريبًا. حتى لو لم نشعر بذلك، حتى لو كنّا نخدع أنفسنا بأنّ السلام سيسود هنا، فإنّنا نعتبر هدفا لهجومهم والذي هو ليس هجوما نشطا ولكنه هجوم يتشكّل".
بنيامين نتنياهو ووالده بينتسيون (Facebook)
بنيامين نتنياهو ووالده بينتسيون (Facebook)
هذه الرؤية التاريخية، التي استوعبها بنيامين نتنياهو من والده، هي إلى حدّ كبير برنامج عمله الاستراتيجي.

المقاتل الذي شاهد الموت بعينيه

في تشرين الأول عام 1967، بعد أشهر قليلة من الانتصار الإسرائيلي الهائل على الدول العربيّة، تجنّد نتنياهو للجيش الإسرائيلي. ومثل شقيقه الأكبر يوني وشقيقه الأصغر عيدو، تجنّد لوحدة النخبة، وحدة استطلاع هيئة الأركان العامة.
برز كأحد المقاتلين الموهوبين والشجعان، وتقدّم بسرعة في سلّم الرتب، بعد أن شارك في سلسلة من العمليات السرية. وقد شارك نتنياهو من بين أمور أخرى في عملية تدمير 14 طائرة في مطار بيروت، وفي عملية "الكرامة" الشهيرة.
نتنياهو وباراك أصدقاء (Flash90/Avi Ohayon)
نتنياهو وباراك أصدقاء (Flash90/Avi Ohayon)
وتعرّف هناك في وحدة النخبة على خصمه وشريكه لاحقا في قيادة دولة إسرائيل، إيهود باراك. قاتل نتنياهو وباراك في سنوات الستينيات والسبعينيات كتفًا إلى كتف بزيّ الجيش الإسرائيلي. عام 1999، تنافس الاثنان وجها لوجه على رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وهزم باراك نتنياهو بفارق كبير. بينما في عام 2011، عندما كان باراك يتولى منصب وزير الدفاع في ظلّ رئيس الحكومة نتنياهو، قاد الاثنان سويّة العملية الاستراتيجية التي كادت أن تنتهي بقصف المنشآت النووية الإيرانية.

وفجأة فُتحت نيران مصرية على المقاتلين الإسرائيليين. سقط نتنياهو في مياه القناة وهو يرتدي معدّات عسكرية ثقيلة، وبدأ بالغرق والاختناق
كاد نتنياهو أن يخسر حياته في سنوات وجوده في الوحدة، أكثر من مرة. في شهر أيار عام 1969، شارك نتنياهو بعبور سرّي لقناة السويس على متن قوارب مطاطية. وفجأة فُتحت نيران مصرية على المقاتلين الإسرائيليين، وقُتل على الفور رفيقه في السلاح، حاييم بن يونا. سقط نتنياهو في مياه القناة وهو يرتدي معدّات عسكرية ثقيلة، وبدأ بالغرق والاختناق. وفي اللحظة الأخيرة امتدّت إليه يدّ لتنقذه، وتمّ إنقاذ نتنياهو بسلام.
حادثة أخرى جرت عندما أصبح قائدا لفرقة في الوحدة. واجه نتنياهو وجنوده عاصفة ثلجية قوية عبر الحدود السورية، في مهمّة بقيتْ تفاصيلها سرّية، وكاد الاتصال معهم أن يُقطع. انضمّ المقاتل الدرزي الشجاع سليم شوفي إلى قوة نتنياهو من أجل إنقاذه بسلام ونقله إلى داخل الحدود الإسرائيلية. ذكر نتنياهو كيف أرشده شوفي للاستمرار في المسير، وعدم التوقف في الثلج المتجمّد رغم الإرهاق الكبير، لأنّ توقّفا كهذا سيجمّدهم حتى الموت.
قبل وقت قصير من تسريحه من الجيش، في صيف عام 1972، كان نتنياهو أحد القادة الميدانيين في عملية إنقاذ الرهائن من طائرة شركة "سابينا" التي اختطفها الفلسطينيين. في الوقت الذي تصارع نتنياهو مع إحدى الخاطفات، وهي فلسطينية اسمها تيريز هلسة، جاء مقاتل آخر وضرب رأس هلسة بمسدّسه. ونتيجة لذلك خرجت رصاصة من مسدّسه كادت أن تقتل نتنياهو، ولكنها أصابت كوعه.
نتنياهو يلتقي الرئيس زلمان شازار بعد عملية إنقاذ الرهائن من طائرة شركة "سابينا" (Flah90)
نتنياهو يلتقي الرئيس زلمان شازار بعد عملية إنقاذ الرهائن من طائرة شركة "سابينا" (Flah90)
تم تسريح نتنياهو بعد هذه الحادثة من الجيش كجندي ممتاز، وعاد إلى الولايات المتحدة من أجل إكمال اللقب الأول في الهندسة المعمارية واللقب الثاني في إدارة الأعمال من معهد ماساتشوستس للتقنية، وبالإضافة إلى التخصّص في العلوم السياسية من جامعة هارفرد. وفي هذه الأثناء، عندما اندلعت حرب تشرين عام 1973 عاد وشارك في المعارك ضدّ سوريا، وعاد إلى استكمال دراسته.


أمِل أبناء أسرة نتنياهو طوال تلك الفترة بأنّ يتم تعيين الأخ الأكبر يوناتان، الذي بقي في الخدمة الدائمة في الجيش وتم تعيينه برتبة مقدّم، أن يتم تعيينه في نهاية المطاف رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي. وضعت وفاة يوني في عملية إنقاذ الرهائن في إنتيبي في صيف عام 1976 كلّ التوقعات على أكتاف الأخ بنيامين.

صوت إسرائيل بالإنجليزية

بعد وفاة يوني كرّس بنيامين نتنياهو نفسه للعمل العام، وبشكل أساسي لإقناع شعوب العالم بخطر الإرهاب الفلسطيني. حين كان خريجا شابا في دراسات إدارة الأعمال في الولايات المتحدة أجرى نتنياهو مقابلة مع محطّة تلفزيون أمريكية محلية، وتحدث عن الموقف الإسرائيلي.
قام بذلك أولا عندما عُيّن من قبل سفير إسرائيل في الولايات المتحدة موشيه أرنس مبعوثا للسفارة، وبعد ذلك عندما عُيّن سفيرا لإسرائيل في الأمم المتحدة بين السنوات 1984 - 1988.
مرة تلوَ الأخرى، صعد نتنياهو إلى المنصّة وأدان بكل قوة السياسة العربية، ودافع عن حقّ إسرائيل في الوجود. وفي وقت لاحق، كرئيس للحكومة، يعود نتنياهو كلّ عام إلى ذات المنصّة في نفس القاعة من أجل إلقاء خطاباته الهجومية.
‎ ‎في تلك الفترة تم الكشف عن ماضي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، كورت فالدهايم، كضابط في جيش ألمانيا النازي، من قبل المؤتمر اليهودي العالمي بعد الكشف الأول طالب نتنياهو من الأمم المتحدة، بنجاح، فتح الأرشيف والكشف عن وثائق متعلّقة بماضي فالدهايم ومجرمي الحرب النازيين الآخرين. وهكذا أصبح نتنياهو اسما معروفا في النظام السياسي الإسرائيلي والعالمي، نجمًا حقيقيّا. حين عاد إلى البلاد وترشّح عام 1988 للانتخابات الداخلية لحزب الليكود، فاز بسهولة بغالبية الأصوات، وتمّ تعيينه في مكان عال في قائمة الليكود.
إن خبرته الدبلوماسية ومهاراته الممتازة في الاتصال باللغة الإنجليزية، كل ذلك قاده إلى أن يُعيّن عضو الكنيست الشاب نائبا لوزير الخارجية فورا بعد الانتخابات عام 1988. تصادم في هذه الوظيفة كثيرا مع وزير الخارجية، دافيد ليفي، الذي لم يكن يعرف التحدّث بالإنجليزية وكان يفتقد إلى الخبرة الدبلوماسية.
عندما اندلعت حرب الخليج عام 1991، حضر نتنياهو في جميع إستوديوهات التلفزيون العالمية وشرح الموقف الإسرائيلي. وعندما عُقد مؤتمر السلام في مدريد في نفس العام، فضّل رئيس الحكومة شمير اصطحاب نتنياهو مع الوفد الإسرائيلي، وتنازل عن سفر ليفي. عادت تلك الخصومة مع دافيد ليفي وأزعجته لاحقا.
نتنياهو مع رئيس الحكومة شمير في مؤتمر مدريد (AFP)
نتنياهو مع رئيس الحكومة شمير في مؤتمر مدريد (AFP)

النساء والخيانة

الجانب الأكثر خفاء من حياة نتنياهو هو علاقاته مع النساء، وخصوصا مع زوجته الحالية سارة. انتهى زواجه الأول لميكي وايزمان، التي وُلدت له منها ابنته الكبرى نوعا، بعد سنوات قليلة بالطلاق. والزواج الثاني، من امرأة مسيحية اسمها فلايير كيتس، والتي حوّلت دينها خصّيصا من أجل الزواج منه، انتهى هو أيضًا بالطلاق. أما الزواج الثالث من سارة، والدة يائير وأفنير، فكاد أن ينفجر هو الآخر.
هناك عدة روايات، من نمط القيل والقال إلى حدّ كبير، عن الحياة الزوجية للزوجين نتنياهو. هناك من يقول إنّه لم يكن حبّا من النظرة الأولى، وإنّ نتنياهو الذي كان عضوا في الكنيست، وافق على الزواج من سارة فقط عندما أخبرته بأنّها حامل.
الزوجان نتنياهو (MENAHEM KAHANA / AFP)
الزوجان نتنياهو (MENAHEM KAHANA / AFP)
ولكن عام 1993، وقف نتنياهو أمام الكاميرات واعترف بأنّه أقام علاقة غرامية خارج الزواج مع سارة. انفجرت القضية بشكل غريب. ترشّح نتنياهو في تلك الأيام ضدّ خصمه دافيد ليفي على رئاسة حزب الليكود، الذي كان في المعارضة. في تلك السنوات أقام علاقة حميمية مع روت بار، مستشارته الاستراتيجية، التي كانت متزوجة. لم تعلم سارة شيئا عن ذلك.
في أحد الأيام، عندما كانت سارة وحدها في المنزل، رنّ جرس الهاتف، وأعلمها رجل مجهول الهوية بأنّه سيتمّ نشر شريط يظهر فيه زوجها وهو يقيم علاقة جنسية مع امرأة غريبة. كانت سارة مصدومة، وطلبت من نتنياهو الطلاق
في أحد الأيام، عندما كانت سارة وحدها في المنزل، رنّ جرس الهاتف، وأعلمها رجل مجهول الهوية بأنّه فيما لو لم ينسحب زوجها من الترشح على رئاسة الليكود، فسيتمّ نشر شريط يظهر فيه زوجها وهو يقيم علاقة جنسية مع امرأة غريبة. كانت سارة مصدومة، وطلبت من نتنياهو الطلاق.
وبجهد هائل فقط نجح في مصالحتها، واعترف في مقابلة تلفزيونية بأنّه أقام علاقة غرامية خارج الزواج. وقد ألمح إلى أنّ دافيد ليفي هو من يقف وراء محاولة الابتزاز. ولكن رغم الإحراج، فاز نتنياهو بسهولة برئاسة الحزب.
وخلال سنوات طويلة بعد ذلك ظلّت تظهر شائعات حول سلوك السيدة نتنياهو تجاه زوجها. في إحدى المرات، عندما أجرى مقابلة في برنامج استضافة مع المطربة عوفرا حازا، وقفت حازا بجانبه وداعبته. ذُكر حينها أنّ سارة غضبت كثيرا وصاحت في وجهه: "لماذا تسمح لها بلمسك"؟
شائعة أخرى تقول إنّه عندما جاءت ابنه نتنياهو الكبرى من زواجه الأول، نوعا، لزيارة أسرة نتنياهو في منزلهم وقالت "مرحبا أبي"، انقضّت سارة عليها وأخبرتها بألا تناديه هكذا أمام الأطفال الصغار، يائير وأفنير، الذين لا يعرفون بأنّ لديهم أخت غير شقيقة.
أسرة نتنياهو في الطائرة في طريقها إلى زيارة رسمية للولايات المتحدة (Moshe Milner, GPO)
أسرة نتنياهو في الطائرة في طريقها إلى زيارة رسمية للولايات المتحدة (Moshe Milner, GPO)
ومع مرور السنين، وخصوصا عندما تولّى نتنياهو منصب رئيس الحكومة، ظهرت تقارير عن إهانة الموظفين في بيت رئيس الحكومة من قبل السيدة نتنياهو. بل إنّ بعضها وصل إلى التوضيحات القانونية.
زعم في إحدى الحالات مدبّر المنزل في بيت رئيس الحكومة، ماني نفتالي، أنّ سارة اتصلت به في الساعة الثالثة ليلا لتوبّخه لأنه اشترى الحليب بالكيس وليس بالكرتون، اغتاظت منه حتى اضطرّ رئيس الحكومة بنفسه إلى التدخّل وأمره بـ "أن يفعل كلّ ما تطلبه". في حادثة أخرى وبّخته لأنّ الأزهار في المزهرية لم تكن جديدة، وقالت له: "في قصر الإليزيه لم يكن ذلك ليحدث".

من رئيس الحكومة الأصغر سنّا، إلى السياسي الأقدم

عندما انتُخب نتنياهو لرئاسة الحكومة للمرة الأولى عام 1996 وفاز على شمعون بيريس المخضرَم، كان الأصغر من بين رؤساء الحكومة في التاريخ الإسرائيلي - بلغ من العمر حينذاك 47 عاما فقط.
كانت فترة توليه الأولى فاشلة جدّا، واتّسمت بفقدان الاستقرار وانعدام الثقة مع سائر الجهات السياسية والأمنية.
كانت المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، عام 1997 نقطة متدنية في رئاسة حكومة نتنياهو. أفاد لاحقا أريئيل شارون، الذي كان وزيرا في حكومته، بأنّ نتنياهو أصيب بالذعر والافتقار الحادّ إلى رباطة الجأش في تلك القضية، ممّا أجبر الحكومة الإسرائيلية على إرسال الترياق إلى مشعل والذي أنقذ حياته، وإلى إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين من سجنه.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو (GPO / AFP)
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو (GPO / AFP)
أثارت القضية غضب الحسين ملك الأردن، وأيضا غضب رئيس الولايات المتحدة حينذاك بيل كلينتون، الذي قال لحسين: "هذا الرجل (نتنياهو) مستحيل".
سخر منه أريئيل شارون علنًا قائلا: "سأسعد بمساعدتك، ولكنني لا أعلم هل أساعد يدك اليمنى أم اليسرى"
غضب معارضو نتنياهو اليساريّون منه على كونه لم يتقدّم في عملية السلام الذي بدأها سابقاه، إسحاق رابين وشمعون بيريس. بينما غضب معارضوه من اليمين منه لأنّه اضطرّ إلى استمرار تلك العملية مع ذلك، بل وصافح رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات. وغضب الجميع بسبب فقدان الاتساق في قيادته. سخر منه أريئيل شارون علنًا قائلا: "سأسعد بمساعدتك، ولكنني لا أعلم هل أساعد يدك اليمنى أم اليسرى". هُزم نتنياهو عام 1999 في الانتخابات من قبل إيهود باراك، وأعلن نتنياهو للمرة الأولى عن استراحة من الحياة السياسية.
نتنياهو يصافح عرفات (AFP)
نتنياهو يصافح عرفات (AFP)
ولكن سرعان ما دُعي نتنياهو للقيادة مرة أخرى. عيّنه أريئيل شارون، الذي هزَم باراك، عام 2002 وزيرا للخارجية، وعيّنه بعد ذلك فورًا وزيرا للمالية. وهكذا حظي نتنياهو بسمعة "سيّد الاقتصاد"، الذي أجرى سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية. وبحسب أقوال مؤيديه، في تلك الفترة "أنقذ نتنياهو الاقتصاد الإسرائيلي" عندما خفّض فوائد الفقر والعجز وأدى إلى خصخصة صناديق التقاعد في إسرائيل.
وبحسب أقوال معارضيه، فقد ساهم نتنياهو بذلك في تدمير دولة الرفاه الإسرائيلية. وفي الانتخابات التي أجريت بعد ذلك عام 2006، غضب كثيرون من الليكود بقيادة نتنياهو بسبب تلك السياسات الاقتصادية، وأورثوه هزيمة أخرى في الانتخابات. ولكن بعد 3 سنوات، في عام 2009، عاد نتنياهو وانتُخب رئيسا للحكومة.
كانت فترة ولاية نتنياهو الثانية مختلفة عن الفترة الأولى. أفرغ الشك وعدم الاستقرار في فترة الولاية الأولى مكانه للتعاون المتناغم مع سائر الوزراء، وعلى رأسهم صديقه وخصمه القديم، إيهود باراك. والموضوع الأكثر بروزا في فترة الولاية تلك كان: النووي الإيراني. مرّة تلوَ أخرى، حين حاول خصوم نتنياهو السياسيون مهاجمته، أجاب بأنّ المهمة الوحيدة على جدول الأعمال هي إيقاف البرنامج النووي الإيراني.
نتنياهو يخاطب الجمعية العامة للامم المتحدة (Flash90)
نتنياهو يخاطب الجمعية العامة للامم المتحدة (Flash90)
كانت فترة نتنياهو في الساحة الفلسطينية راكدة. على الرغم من رضوخه لضغوط رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما وموافقته عام 2009 على تجميد البناء في المستوطنات، فلم يثق أبدا برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ولم يقصد أبدا التوصّل معه إلى تسوية.
بدلا من ذلك، حاول نتنياهو مرّة تلوَ الأخرى إيجاد نماذج بديلة لتحقيق التقدّم السياسي - فقد حاول في بداية فترة ولايته طرح "السلام الاقتصادي" بين إسرائيل والفلسطينيين، والذي سيستند إلى الشراكات التجارية. وقد حاول مؤخرا اعتماد فكرة جديدة بتعزيز العلاقات مع الدول المعارضة لإيران في العالم العربي، وعلى رأسها السعودية، فيقفز بذلك فوق رؤوس الفلسطينيين.
قال الرئيس الفرنسي حينذاك نيكولا ساركوزي في مكالمة تمّ تسريبها في الصحافة لأوباما: "نتنياهو كاذب". "لا بدّ لي من التعامل معه يوميّا"، أجاب أوباما
ولكن خبرته السياسية الكبيرة لم تسعفه. مرة تلو أخرى، اتضح بأنّه خلال ستّة أعوام في فترة ولايته كرئيس للحكومة كانت العلاقات الخاصّة جدّا مع الولايات المتحدة تقع في مسار تصادمي. كان انعدام الثقة البارز بين نتنياهو وأوباما هو خلفية ما لا يحصى من الحوادث المحرجة، التي ضربت مكانة إسرائيل الدولية. قال الرئيس الفرنسي حينذاك نيكولا ساركوزي في مكالمة تمّ تسريبها في الصحافة لأوباما: "نتنياهو كاذب". "لا بدّ لي من التعامل معه يوميّا"، أجاب أوباما.
بنيامين نتنياهو وباراك أوباما (Avi Ohayon/GPO)
بنيامين نتنياهو وباراك أوباما (Avi Ohayon/GPO)
وحلّق فوق كلّ ذلك اتهام بارز واحد تجاه نتنياهو: بأنّ هدفه الوحيد هو البقاء سياسيّا. سوى السياسة وسوى الاقتصاد وسوى الأيديولوجية، فإنّ نتنياهو مهتمّ بشيء واحد فقط - الحفاظ على منصبه كرئيس لحكومة إسرائيل.
ولكن في المقابل، يروج في السنوات الأخيرة في صفوف الشعب الإسرائيلي بأنّه لن يكون هناك شخص آخر بمثل مكانة بنيامين نتنياهو، القادر على قيادة دولة إسرائيل وتوجيهها.
عندما انتُخب للمرة الثالثة رئيسا للحكومة عام 2013، تحوّل نتنياهو من رئيس الحكومة الأصغر سنّا إلى رئيس الحكومة الأقدم فيما عدا رئيس الحكومة الأول، دافيد بن غوريون. ولكن رغم الخبرة والتجربة، لم يكن الائتلاف الأخيرة لنتنياهو مستقرّا مثل سابقه، وذكّرنا أكثر بفترة ولايته الأولى كرئيس للحكومة.
خلال كل أسبوع فرض شركاءه السياسيين الجدد - يائير لبيد، تسيبي ليفني، نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان شروطا جديدة عليه. ووصل الأمر إلى الذروة عندما توحد جميع هؤلاء ضدّه من أجل تشريع قانون لإغلاق صحيفة "إسرائيل اليوم" - وهي الصحيفة الوحيدة التي تقف على يمين نتنياهو، وتتبع لصديقه، الداعم الأكبر له، الملياردير الأمريكي شيلدون أدلسون.
إنّ سجلّ نتنياهو ليس واضح المعالم. لقد فاز بشكل كبير في المعارك الانتخابية الثلاث التي قادها، عام 1996، 2009 و 2013، ونجح في تشكيل حكومة وفي القيادة. ولكن في معركتين انتخابيتين أخريين، عام 1999 و 2006، ضُرب مرة أخرى من قبل الناخبين. وقبيل الانتخابات المقبلة، يبقى السؤال مفتوحا: هل سيثبت نتنياهو بأنّه قادر على البقاء مرّة أخرى، أم سيُهزم؟